يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

157

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فناخسرو بن الحسين ملك شيراز للمناظرة في أصول الدين على مذهب أهل السنّة مع المعتزلة . فدخل مجلس الملك وقد غص بالناس ، فلم يجد موضعا يقعد فيه إلا موضعا رآه خاليا عن يمين الملك . فتخطى وقعد فيه فبهت الحاضرون من جراءته مع غربته بينهم ، وسقط في أيديهم ، وعلموا أنه غالب وكان شابا فسمع واحدا من المعتزلة يقول لصاحبه سرا : إني لأرى هذا الشاب حديد الذهن يتوقد ذكاء . فقال له الآخر : ما هو إلا شيطان ، فرفع القاضي صوته يقرأ : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : 83 ] ، فعلموا أنهم قد رموا منه بداهية . وكانت أول مسألة دارت بينهم ، سألوه : هل للّه تعالى أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه ؟ فقال لهم رحمه اللّه : إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد . وذلك أن اللّه تعالى قال : كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً [ الإسراء : 50 ] ونحن لا نقدر أن نكون حجارة ولا حديدا . وقال : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 31 ] فطالبهم بما لا يعلمون . وقال تعالى : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [ القلم : 42 ] فهذا كله أمر بما لا يقدر الخلق عليه . وإن أردتم بالتكليف الذي نعرفه وهو ما يصح فعله وتركه فالكلام متناقض وسؤالكم فاسد . ولا يستحق على السؤال الفاسد جواب . ثم جرت بينهم مناظرات ومسائل ظهر فيها القاضي رحمه اللّه على المعتزلة . فدونت واتخذت أصلا ، والحمد للّه . ونشأ أبو بكر هذا يعلم العلم ويدرسه ، ويؤلف التآليف ولا يأخذ على ذلك شيئا من عرض الدنيا ، ويشتري حوائجه بنفسه ، فيكلمه الطلبة في ذلك ليتحملوا عنه مؤنتها فيأبى ويقول : أخاف أن يكون من بعض أجري على تعليمي . وذكر عنه أنه حسبت تآليفه وإملاآته ثم قسمت على عمره من مولده إلى موته فوجد أنه يقع لكل يوم منها عشر ورقات أو نحوها . وروى عنه بعض طلبته أنه قال : لي خمسون عاما متغربا عن أهلي وعن وطني أطلب العلم آخذا له ومأخوذا عني . ومات آخر ذلك غريبا بالقيروان . رضي اللّه عنه . وتقدم ذكر الخلف وقول لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب وبعده : يتحدّثون خلابة وملاذة * ويعاب قائلهم وإن لم يشغب وهذا الشعر تمثلت به عائشة رضي اللّه عنها وقالت : فكيف بلبيد بن ربيعة لو